عضو جديد
رقم العضوية : 15
التسجيل : Aug 2008
المشاركات: 14
|
المنتدى :
همسات البحوث الفقهيه

احفظ الله يحفظك
احفظ الله يحفظك
عن ابنِ عبَّاسٍ - رضيَ اللَّه عنهمَا - قال: "كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يوْماً فَقال: "يَا غُلامُ إِنِّي أُعلِّمكَ كَلِمَاتٍ: "احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَل اللَّه، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعلَمْ: أَنَّ الأُمَّةَ لَو اجتَمعتْ عَلَى أَنْ ينْفعُوكَ بِشيْءٍ، لَمْ يَنْفعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَد كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بَشَيْءٍ قد كَتَبَهُ اللَّه عليْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ، وجَفَّتِ الصُّحُفُ".
رواهُ التِّرمذيُّ وقَالَ: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله) يعني: احفظ حدوده، وحقوقه، وأوامره، ونواهيه.
و(يحفظك) يعني: أن من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه، حفظه الله، فإنّ الجزاء من جنس العمل.
و(احفظ الله تجده تجاهك)، وفي رواية: (أمامك) معناه: أنّ مَن حَفظ حدود الله، وراعى حقوقه، وجد الله معه في كل أحواله حيث توجه يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده.
و(إذا سألت فاسأل الله) سؤال الله هو دعاؤه والرغبة إليه.
و(وإذا استعنت، فاستعن بالله) الاستعانة بالله هي طلب العون من الله.
و(رفعت الأقلام وجفّت الصحف) يعني أنّ كتابة ما هو كائن قد انتهت، وأنّه لن يكون شيء إلا على وفق ما كُتب وقُدِّر.
وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة، وقواعد كلية من أهم أمور الدين، فقد أمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ حدود الله، وذلك بالوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه بقوله تعالى:(وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ) [التوبة: من الآية112].
وقال تعالى:(هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ) [قّ:32].
وفُسّر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامر الله، وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها.
فمَن حَفظ الله فإنّ الله يحفظه، وحِفظُ الله لعبده يدخل فيه نوعان:
أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال الله - عز وجل -: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [الرعد: من الآية11]. قال ابن عباس-رضي الله عنهما-: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلّوا عنه.
النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإيمان،قال تعالى:(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) [إبراهيم:27].
قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [لأنفال: من الآية24]، قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجرّه إلى النار.
وقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ندعوَا قبل النّوم بهذا الدعاء: (اللهم إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).(متفق عليه).
وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ من حفظ الله فإن الله سيكون معه بنصره وتأييده وتوفيقه، كما قال تعالى(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل:128].
قال قتادة -رحمه الله-: مَن يتّقِ اللهَ يكنْ معه، ومن يكنِ اللهُ معه، فمعه الفئة التي لا تُغلَب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يَضل.
وهذه هي المعيَّة الخاصة المذكورة في قوله تعالى لموسى وهارون-عليهما السلام-: (قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) [طـه:46]، وقول موسى: (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الشعراء:62].
وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر -رضي الله عنه- وهما في الغار: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ لا تحزن إن الله معنا) (متفق عليه).
وأما المعيَّة العامة فهي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمال العباد جميعاً، فهي مقتضية لتخويف العباد منه سبحانه. قال تعالى (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) [المجادلة: من الآية7].
ثم وجهنا النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، بأن لا ندعوا إلا الله ولا نستعين إلا به سبحانه، كما قال تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة:5].
فالدعاء هو العبادة، والعبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله - عز وجل -، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))، فإن المعنى: لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة.
ثم بيّن عليه الصلاة والسلام أنّ النفع والضر بيد الله وحده لا شريك له، ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواه. كما قال: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأنعام:17].
ثم بيّن عليه الصلاة والسلام أنّ كلّ ما يحصل للإنسان مقدّر ومكتوب عليه، كما قال تعالى)مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحديد:22].
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة).
ومن فوائد الحديث:
1- أنّ من حَفِظَ أوامر الله بالامتثال ونواهيه بالاجتناب، وحدوده بعدم تعديها، يحفظْه اللهُ في نفسه ودينه وماله وولده، وفي جميع ما آتاه الله من فضله.
2 - الله جلّ وعلا ينجّي المؤمن عند الشدائد إذا كان حافظاً لحدود الله عند الرخاء والصحة والغنى.
3 - حَصْرُ الدعاء والاستعانة بالله وحده دون غيره، وفيه دلالة على أنها من أجلّ العبادات، وعليها مدار الدين.
4 - أنّ الخلقَ عاجزون عن جلب النفع للإنسان أو دفع الضر عنه ما لم يقدّرِ اللهُ ذلك.
5 - تثبيت عقيدة الإيمان بالقَدَر خيرِه وشرِه فهي من أركان الإيمان.
| |
|
|
|